- سيرجع أخوك مهدي هذا المساء .
سيرجع مهدي هذا المساء .. أخيرا سيرجــع .. رميت دفتـــر الدروس جانبــــا وأسرعت إلى الطابق العلـــوي ؛ ارتقيت السلالم كالسهم - كدت أتدحرج عند بعض الدرجات – وتوقفت .. توقفت وأنا ألهث أمام حجرة مهدي ؛ أمام باب الحجرة الذي ظل مغلقا ؛ لا أذكر أنه فُتح يوما ؛ بل كنت كل ليلة أنبطح قربه ؛ أتلصص أسفله حتى أني رسمت خلسة عند جانبه الأيمن – وأنا منبطح – صورة باهتة تخيلتها لأبي ؛ ولمحت وأنا ألهث ما رسمت ؛ ثم عدت إلى الطابق الأرضي ؛ إلى بهو الدار .. إذن سيرجع مهدي .. لم أعِـر الخبـــر اهتمامــــا كبيـــرا ، على الأقـل الإهتمـام الذي بدا على وجه أختي في صورة استبشـار وفرح عـارم ، أختي التي غادرهــا الإستبشـار مُـذ قُتـل زوجهــا من طـرف إرهابييـن . كمــا لـم أعتبــره حدثـا عاديـا ، فأخي الأكبر – الذي لم أره أبدا – لا بد وأن يكون جديرا بهذا الإهتمام وأن يحل مشاكلنا ؛ قال أخي الذي يكبرني بسنتين :
- ستـرون كيف ينصفنـي . ربمـا يقصد مشاكل الميراث .. ميراث أبينا الذي لم نُصفِّه لحد الآن .. يا له من جبان ؛ لا يستطيع أن يوضح لنا إذا ما كان ينتظر من أجل الميراث أم من أجل مهدي .
وقالت أختي أمل :
- إنه عاقل وذكي .
وسألتها :
- كيف تعرفينه ؟ أنا لا أعرفه .
كنـت ساذجــا فـــي سـؤالي ، ظننت لِلَحظــات أن الجميـع لا يعرفـه لأنني لا أعرفـه ، نظرتنــي أختـي نظـرة ازدراء ، فيها بعض الشفقة ، وقالت :
- هكذا ؛ دائما تسأل الأسئلة التافهة . حسنا ؛ إن أخاك إذا أمر الجبل يَخرُّ أمامه ؛ وإذا أشار إلى السماء اِنهمرتْ مطرا وغيثا .
ذكّرتني بالحلاج ؛ أحقا ما يزال في زماننا حلاج آخر .. ولم تقنعني الإجابة ؛ صحيح أنني صغير السن – لم أتجــاوز الرابعــة عشرة – وأسأل أسئلة تافهة – أحيانــا فقط – غير أن الإجابة لم تقنعني ؛ لذا اِستدرتُ ناحية أمي – كانت تُحضر بعضَ الخضروات لِطَهْيها – وسألتُ :
- صحيح ما تقوله هذه المجنونة ؟
انتهرتني الوالدة ؛ قالت : تأدب ؛ لا تقل عن أختك مجنونة .
سكتُّ ؛ سكتُّ وفي سكوتي العديد من الأسئلة ؛ قلت في صمتي: أسأل أخي عند عودته .
- اِفتح الباب . طبعا الأمر مُوجَّه لي. قصدت الباب ؛ إنه منتصر أخي : أ صحيح ما سمعته من الجيران ؟
- أجل ؛ ردت الوالدة وكأنها تعرف سؤاله ؛ أحقا حتى الجيران ينتظرون عودة أخي؛ يقولون أنه سمْح كريم مع الجميع ويؤثر الجميع وأنه آخر الأنبياء .. يقولون أيضا أنه شديد الشبه بأبي ؛ أمي هي الأخرى قالت مرة كلاما يشبه ما قاله الجيران .. قالت أن أبي لم ينجب غير مهدي .. أذكر أن منتصرا يومها خاصمها ثلاثة أيام كاملة .. وتساءلتُ : إذن لماذا غادرنـا ؟ وتجاهلني الجميع .. أحيانا أشعر أنني لست واحدا منهم .
- مــن عشريــن سنــة حمــل حقيبتــه وغــادر ؛ هــذه المـرة لا أظنـه يقيـم عنـدنـا ، أكيـد أنـه سيُغادرنا مرة أخرى . تحدّث منتصر.
- بل سيقيم ؛ ردّتْ أختي مستبشرة كعادتها .
- من عشرين سنة غادرنا ؟ سألتُ أخي متعجبا . أتراه يعرفني حينما يراني ؟
- تعال أريدك .
تَبعتُ أخي منتصر في صمت ؛ أدخلني غرفته ؛ منذ زمن لم يُدخلني غرفته ؛ قال لي أنه يحبني وشرح مَعزّته لي ؛ قال أيضا أنه يريدني إلى جانبه إذا احتاجنــي ؛ وسيعطينــي بعـض نصيبه من الميراث فهـو في غِنًى عنه ؛ لم أفهم الكثير من كلامه غير أنني أمّنتُ عليه ؛ ليس أمامي غير التأمين عليه . بدا الأمر في غاية التفاهة أن ينتظر الجميع أخًا غادر من زمن ولم يسأل يوما عنَّا – هكذا أخبرني منتصر – واليوم يقولون أن بيده خاتم سليمان – بالأحرى هكذا تقول أختي وأخـي الـذي يكبرنـي بسنتيـن – إذن لا بـد لي من انتظار مهدي؛ ربما يجيب عن أسئلتي أنا أيضا ؛ سؤال واحد فقط دوَّخني.
ويحل المساء ، لم أستطع تناول العشاء ؛ كنت في وقت سابق غير آبهٍ بالعودة المنتظرة لمهدي ؛ لكن الآن لا أجد رغبة في تناول حتى بعض العشاء ؛ كُلّي لهفة لِلّقاء المُرتقَب .أمي اشترت بعض الحلويات منذ الظهيرة وطلبت من أمل مساعدتها في تنظيف المنزل وتطوّع منتصر فأعانهما أنا كنت مضطرا لهذه الإعانة ؛ فبدأنا التنظيف بحجرة مهدي – لأول مرة أدخلها – قالت أمي أنها احترمت أخي في غيابه فلم تفتحها يوما - هل كانت تعلم بعودته منذ غادرنا أم كانت تنتظره فقط ؟ - ولم أشأ أن أسأل أمي ؛ أعرف أنها لن تجيبني ؛ كلما سألتها أو سألت أحدا من أخوتي لا يجيبني غير صدى أسئلتي وبقيت أجهل سبب رحيل أخي وحتى لونه ؛ ما هواياته ؛ بل أنا أجهل حتى وفاة أبـي وكيـف كـانـت ؛ كـل مـا أذكـره: عربـة طويلـة تحمـل التابـوت ومشيعــون – ربما كان بينهم من يبكي – وانتبهتُ من غوصي داخل بحر الماضي على صوت أخي الذي يكبرني بسنتين قائلا :
- السيارة في الخارج تنتظر يا أمي .
- حسنا .. إنها الساعة التاسعة ؛ سيقبل أخوكم بعد قليل لذا عليّ انتظاره في المطار .
تَرجَّتْها أمل أن ترافقها ؛ فأخذتها؛ غير أنها وهي تغادر تَوقّفتْ عند الباب لِتنظُرَ ناحيتي قائلة :
- ألا تذهب أنت الآخر ؟
- لا .. لا أريد أن أذهب – ربما تفاجأتْ لِقراري-
واستلقيتُ على الأريكة ؛ سأحضِّرُ أسئلتي ؛ لديَّ الكثير منها ؛ وهذا المساء بالذات سأعرف كيف أفتـكُّ أجوبتها . أنا لا يهمني ميراث أبي بقدر ما يهمني أبي .
30 جويلية 1999
كتبها إبراهيم رحمة في 12:00 مساءً ::
رائع رائع رائع منذ وقت لم أقرأ بهذا التشوق سوف أقيم خيمتي في منبرك سعدت حقا بالتعرف على هذه الجوهرة. تقبلني صديقة رجاء.
جميلة جدا شوقتنا .....لقدك اهم كل ما يحبه القراء .فن التشويق وطريقة السرد رائعة
اخوك مهدي يقول تقبلني صديقة رجاء
والا تتقبلي الرجال اصدقاء
سعدت جدا عند زيارتى لمدونتك الجميلة
معا نتواصل لكى نصل ربما 0........................
اقرى لى الفنجان يا عمة
دى الرحلة طويلة وعجيبة
والعمر بيمشى بالعرض
ارجو زيارتى فى مدونتى ( آخر عنقوط الالم)
هكذا ؛ دائما تسأل الأسئلة التافهة . حسنا ؛ إن أخاك إذا أمر الجبل يَخرُّ أمامه ؛ وإذا أشار إلى السماء اِنهمرتْ مطرا وغيثا .
,
,
في الواقع كنت أحب إتمام القراءة
لولا اصطدمت بتلك
,
,
تقديري
جئت للتحية ولم يساعفني الوقت للقراءة
تسرني زيارتك وممتن لها؛
ولك مني ألف تحية قلبية عطرة؛
لنا لقاءات بإذن الله؛
صدفة وجدت نفسي على صفحة مدونة شقيق{ة} من الجزائر
فطالعت الكتابات وكانت جيدة قررت وضع تحية وسلام
والى الامام
جميلة جدا ------ارجو زيارتى فى مدونتى اخى جاسر
دائما متألق اخي المبدع
شكرا جزيلا لك
ننتظر المزيد منك من التشويق القصص الرائعة و القيمة
بالتوفيق
لاادرى اذا كان الكاتب ( ذكر اوانثى ) ولكننى اعلم من قراءتى لحدوثته انه شيعى او متأثر بالفكر الشيعى .. هل تعلم او تعلمى أن آخر الانبياء هو محمد صلى الله عليه وسلم وأن من تخر له الجبال هو الواحد القاهر وهو عز شأنه من يرزق عباده بالمطر .. انكم ايها الجزائريون محيرون . امااقصى اليمين واما اقصى !!!!!!!!!! الله الهادى
روعة متجسدة في الكلمات
وكلمات .. تتجسد في رنة القلوب
وعبر تحكي .. الطريق الموصل الى الذات
ولا أدري
أأقرأ لفتاة .. ام أقرأ لمتمرسة
في عالم الكتابة
إن كانت هذه تجربتك الأولى ...
فأنت .. من تصنعين سلم المجد
وإن الكتابة الكتابة قدرك وتقديرك..
فأنتي من تكونين .. أهل للإستمرار
ربي يكتب لك الخير
والتوفيق دائماً حليفك يا رب
أيها الفاضل " عبد الجليل" لماذا يصر بعضهم على البقاء تحت الصفر في حياته؛
إلى متى يجعل بعضهم من نفسه ربا فيحسب نفسه الأول والآخر والظاهر والباطن؛
إلى متى بعضهم يصدر على الناس تصانيف ويحكمون عليهم دون معرفة؛ ثم لماذا يصرون على الحروب الدونكيشوتية؛
اقرأ وافهم ما تقرأ أيها السيد الفاضل ودعك مما ليس منه بد؛
أيها الفاضل " عبد الجليل" لماذا يصر بعضهم على البقاء تحت الصفر في حياته؛
إلى متى يجعل بعضهم من نفسه ربا فيحسب نفسه الأول والآخر والظاهر والباطن؛
إلى متى بعضهم يصدر على الناس تصانيف ويحكمون عليهم دون معرفة؛ ثم لماذا يصرون على الحروب الدونكيشوتية؛
اقرأ وافهم ما تقرأ أيها السيد الفاضل ودعك مما ليس منه بد؛
الأخ الفاضل " عبد الجليل": الأخ أو الأخت رحمة لا يمثل الا نفسه.......
وليس كل الجزائرييييييين....
مع احترامي للجميع
السيدة "ماريا"؛ وددت لو كانت لك الشجاعة الأدبية فلا تتكلمي بالنقط وإنما تقولين ما تودين إيصاله؛ كما أنني لم أدّع يوما أنني أمثل غيري؛
ولِيبْقَ من يود البقاء في الضحالة أينما أراد؛
عيب بعضهم أنهم يرون أنفسهم كل شيء وأنهم على الصواب دونما حتى إدراك ما أمامهم؛
احسنتي شكرا لكي
دمت إخي الفاضل حسين ولك تحية خالصة من أخيك رحمة
ملامح..أنتظار أنيقة..
تستحق كل دقائق الأنتظار الفاخر..
كنت هنا رائع..
فضول أول لحرفك...
وعودات متكررة ..
لهذا الألق..
بن الجزائر الرائع..
دام بريق حرفك...
تقديري..
أشكر لك أيتها الفاضلة مرورك الكريم إلى مدونتي؛ كلماتكم تزيدني إصرارا على المضي؛
ما نحن إلا كلمات تأبى الذوبان قبل أن تجد لها مساحة على جغرافية العقل البشري
دمت؛
اسلوبك رائع
:)
قمة الوعى والابداع الفنى البسيط 000000000000000000000000000000000000000000000تحياتى واحترامى
جمال الاسلوب وروعه الكلام أسأل الله ان يجعلك من اصحاب الجنة
مدونتك رائعة وردك على الاخ عبد الجليل ارووووووووووع نسأل الله تعالى لك التوفيق ارجوا ان تقبليني صديقا
الاسم: إبراهيم رحمة
