أنا لستُ ملاكا كما أنني لستُ شيطانا إنما أفخَرُ كَوني إنسانا

أيقظوا الحلم.. أريد أن أنام..

الأحد,أيار 11, 2008


اليوم .. مرة أخرى أشعر بهذا المتسلل كالغريب الغازي ..

رميت المنشفة جانبا .. بعدما ألقيت نظرة أخيرة على المرآة .. تسريحة شعري كالعادة رائعة وخدي أملس يجلب الإنتباه .. لا تجاعيد عليه ولا أدنى تأثير للزمن .. هندامي أنيق وكنزتي الصوفية تزيدني أناقة .. كل شيء على ما يرام أسررت في نفسي ثم قصدت مائدة الفطور رفعت فنجان القهوة وأنا واقف بيد والجريدة باليد الأخرى .. قالت الخادمة العجوز مربيتي :

-         دع القهوة يا ولدي وافطر .. إن الفطور الدسم يزيدك قوة ونضارة ..

ولا أجيبها .. من عادتي أرتشف بعض القهوة على عجل وأنا أتصفح عناوين الجريدة ولا أهتم للمائدة المكتظة بأصناف الفطائر والحلويات والحليب الطازج .. يجلبه البواب خصيصا لي كل صباح من مزرعة العم أحمد ..لكنني أتركه ربما يعتبرها إهانة من حيث أنني لا أُقدّر مجهوده ولو مجاملة   وأغادر المنزل قاصدا مكتبي في ميدان الشهداء أكبر ميادين المدينة .. أجد الموظفين في انتظاري يقفون لتحيتي منتبهين لأدق تفاصيل أزيائهم .. ثم أعرج على السكرتيرة ؛ تومئ لي بالتحية في انسجام بالغ وتتبعني إلى المكتب ؛ تضع بعض الملفات ؛ تريني البريد الوارد ؛ تقول لي ربما تحب لَفْت نظري لنشاطها المهني   أنها أنجزت كل الأعمال التي كلّفتُها بها .. لا ألقي كعادتي بالا لثرثرتها - أعتبرها ثرثرة - وتقف تنتظر أوامري فلا أجد بدا من القول لها :

-         سأطلبك حين أحتاجك ..

تعرف أنها في حِلٍّ من الإنتظار فتخرج ، وأرفع عيني ناحية لوحة زيتية جاءتني هدية منذ أيام .. لم تكن ألوانها كثيرة أو متداخلة بل بسيطة شبه شفافة ؛ ورسمها هو الآخر بسيط للغاية .. سماء تلتقي بالأرض .. هناك في خط يبدو خرافيا للعين ربما يدفعك إلى التساؤل : هل تعانق السماء الأرض السماء المنفتحة على المجهول السابحة كالروح مع هذا الأديم العفن اليابس القاحل .. وكلما رفعت عيني ناحية اللوحة يُخيَّل إليّ أن هناك من يستغيث أو أنني أسمع استغاثة من مكان ما .. ولأنني منضبط في العمل أعود إلى صفحة مكتبي الفاخر وتغوص أصابعي بين الملفات ..

واليوم لم تطاوعني أصابعي فتغوص في الملفات كعادتها، أجد شيئا ما داخلي قد تغيّر أو هو في طور التغيّر ؛ ليس سأما ولا مللا فقد كنت فيما مضى إذا شعرت بنوع من السأم آخذ إجازة ولو ليومين أقصد فيها بعض المنتجعات وأرتاح .. أنسى الشغل .. ألغي جميع الإرتباطات ولا أهتم بأي ميعاد مهما كانت قيمته .. الحقيقة أنني دقيق فيما يخص شؤون صحتي .. لست من النوع الذي يهمل نفسه في زحمة الحياة ويوغل في العمل حتى يجد قلبه وقد انفجر أو أن معدل السكر في دمه على غير ما يرام؛ وربما مرض آخر كالإرهاق أو حتى الشقيقة أصابه؛ كلا أنا لست من هذا النوع؛ أنا أعطي لكل شيء أهميته التي يستحقها ، ومبدئي في الحياة لكل مقام مقال .. سمعت مرة أحد موظفي مكتبي يقول لزميله :

-         أوروبي .. ياباني .. يمشي كالساعة ..

لا أنكر أن ما سمعته أطربني .. ولِحسْن حظ الموظف أنه لم يتَفوّه بما تَفوّه به أمامي وإلا لكان آخر يوم له معي .. المهم أن كلامه بيني وبين نفسي أطربني .. فأنا فعلا كالساعة وظللت طوال سنين شبابي ؛ وبعض كهولتي    أبلغ السابعة والأربعين من العمر أُكذِّب الآخرين وكل من يحيط بي في دنيا أرهقها الكسل وأمراض التكاسل والفقر .. وأصر على النجاح وأبرهن على أنني ساعة ، ونسيت الزواج في غمرة النجاح ولما ذكرته أقنعت نفسي بعدم الزواج فالمرأة دافع إلى الفشل  لقد اِقتنعت أن المرأة كائن بليد  حتى أنني يوم مرضت ونادرا ما أمرض   كان ذلك منذ سبع سنوات لم أقصد الطبيب أوّلاً بل قصدت المكتب ليس لشيء إنما لأؤكد للموظفين أهمية العمل والتفاني فيه .. وشعرت فترة ليست بالقصيرة أنني أصبحت ساعة .. أجل أصبحت ساعة ..

واليوم .. ما الذي تغير .. ككل صباح أستيقظ عند الخامسة ؛ أستحم ؛ أحلق ذقني ؛ ثم صوب المرآة أتجه ؛ أعمل جهدي كي أبدو بأناقة رجل الأعمال المشهور ؛ ولا أدع مجالا لأي تهكم من أي كان أو تنكيت ؛ حتى أنني ما فتئت أحافظ على رشاقتي ؛ ووزني لم يتغير أو يزد إلا بما تمليه ضرورة نمو الجسم وأخاف حتى تناول الفطور الذي تُحضِّره مربيتي الحاجة مسعودة  لم تكن بأي حال من الأحوال مسعودة في عمرها  وأتركه على حاله فلا أرتشف منه إلا بعض القهوة وأنا أتصفح عناوين الجريدة .. الجريدة التي لم تتغير عناوينها أبدا .. ويأتيني صوت الحاجة مسعودة مبحوحا البَحّـة التي تُحبّبه إليك فتتمنى سماعه باستمرار ربما يذكرني بشيء ما  وتقول لي :

-         دع القهوة يا ولدي وافطر .. إن الفطور الدسم يزيدك قوة ونضارة ..

وعبثا أبحث في سبب هذا القرف الذي أصابني وكان يتسلل إلي كالغريب الغازي منذ أيام ؛ وعبثا رغم محاولاتي المتكررة والمستميتة غادرني الغثيان .. الحقيقة أن ميولاتي تحولت إلى ميولات صبي في الثامنة ؛ أريد أن ألعب دون تحفظ ؛ أريد أن أركض هنا .. هناك ؛ يمينا .. شمالا ؛ أركض .. فقط أركض ؛ وأريد أن أجلس في عرض الطريق المُعبَّد الذي يفصل الضاحية عن وسط المدينة .. أن أجلس القرفصاء في عرض الطريق دون أن يرميني الأطفال بالحجارة ويرددون في غبطة وفرح عارمين :

-         المجنون جاء .. المجنون جاء .. أحذر المجنون ..

وأرفع عيني مرة أخرى إلى اللوحة الزيتية ؛ بدا لي أنها تقول شيئا .. وعاد صوت الإستغاثة من جديد واضحا على غير العادة .. وأحسست أنني لم أعش طفولتي .. ولم أعش شبابي ولا كل حياتي .. أنا أكرر نفسي فقط هذا ما أفعله كل يوم .. أكرر نفسي .. إنني تافه ؛ إنسان تافه رغم البهرجة التي تحيطني والهالة الصاخبة التي يغمرني بها الناس .. أجل إنه هو .. الصخب .. الروتين .. الآلة نعم أنا آلة .. كرهت هذه الآلة .. كرهت البرنامج الذي عشت عمري أتفنن في المحافظة عليه وجاءتني فكرة الخروج عن هذا البرنامج .. قررت الخروج عنه وتحطيم الديكور الذي سجنت فيه نفسي .. وراح الصوت يصارع سواه ويرتفع ثم يرتفع .. أغلقت النوافذ .. خشيت أن يخرج فيسمعه الآخرون .. غير أنني تراجعت وأنَّبـت نفسي ما زالت تَحنّ إلى زمن الخوف من الناس وبرنامج الآلة فعدت أفتح النوافذ ؛ وأفتح باب المكتب على آخره؛ أريد أن يسمع الصوت كل الموظفين؛ كل الناس؛ أنا بحاجة أن تلتقي سمائي بأرضها .. أن أخرج إلى الفضاء فأعيش حريتي بعيدا .. بعيدا ..

وقبـل أن أخرج من مكتبي وأقصد حياتي الجديدة انتبهت إلى عنوان اللوحة في إحدى زواياها فقرأته ؛ كان يقول : تحولات .

13 ديسمبر 1999



في23,آذار,2008  -  08:39 صباحاً, حسنة كتبها ...

بالله عليك من هو رحمة علني أقتني كتبه إن لم أكن أملكها بعد

في24,آذار,2008  -  04:12 مساءً, توفيق التلمساني كتبها ...

كلام عميق و جميل و أستسمحك أخي أن أجيب نيابة عنك المدونة حسنة فأقول لها : بلادنا تزخر بالطاقات في كل الميادين لو لا النوايا المبيتة التي تقف دون ظهورهم و تبوئهم للمقام الذي يستحقون.
سأعود حتما لتفقد الجديد في هذه المدونة الراقية.

في28,آذار,2008  -  08:59 صباحاً, ramysse كتبها ...

الآن أنا أمارس السياحة في هذا الفيض القصصي وأحاول أن اقتنص أفكارا كانت شاردة وأخرى تهوى التهويم في العوالم البعيدة هناك حيث تصير الظلال أجسادا تتنشق وتصير الخيالات اشجار سنونو.. مزيدا من الدفق الابداعي

في18,نيسان,2008  -  11:18 مساءً, حسين نورالدين حموي كتبها ...


فنٌّ أدبٌي يستحقّ التقدير

و قلم متمكّن

تحياتي أيها الأخ الكريم .



في07,أيار,2008  -  12:16 مساءً, محمد الشيرازي كتبها ...

السلام عليكم

أتمنى من أصحاب التعليقات أن يكونوا علميين وفنيين في ممارسة التعليقات وكفانا تملقا وتزلفا ، نحن نحتاج الى من يساعدنا الى اكتشاف توجه أدبي ، يعبر عن هموم المستضعفين في الأرض ، الأمة مئزومة على جميع الصعد ، عالجوا قضايا الأمة ، من خلال مقالاتكم وقصصكم وأشعاركم ، لقد ولا زمن الكلاسيكية والرومانسية ،
والسلام

في09,أيار,2008  -  10:38 صباحاً, الإبراهيمية عبد الله كتبها ...

السلام عليكم ورحمة الله تعالي وبركاته
صحيح ما قاله الأخ محمد الشيرازي فإنه رغم حاجتنا إلي الأدب والفن إلا أننا بأمس الحاجة إلي من يكتب في قضايا أمتنا ومن يحمل هموم هذه الأمة فنحن يجب أن نكون أمة جادة نظرالعظم رسالتنا وكوننا شهداء علي الناس أي علي الأمم الأخر ي ولدينا الكثير من المشاكل داخليا وخارجيا .
فالرجاء ان نتوقف عن تعاطي هذه المسكنات والمخدرات فحجم الأهمية الذي نعطيه للأدب أكبر مما يستحق فلدينا أشياء أكثر أهمية وأمامنا تحديات كبيرة جدا .

في09,أيار,2008  -  12:27 مساءً, رحمة إبراهيم كتبها ...

رأيتم أنني أدع أي تعليق يمر مهما يكن من أمره
لأجل أن أبين أمرا ما فتئت أبيّنه؛
بعضهم يصدر أحكاما مسبقة كأن يقول لآخرين كفى تزلفا أو تملقا وهو ليس ربا يعلم ما في الصدور أكان هؤلاء الناس متملقين متزلفين أم لا؛
بعضهم يحكم على أن زمن الرومانسية قد ولّى وهو بهذا صار ربا أيضا ويصدر ما يشاء مكان غيره من أهل البسيطة وكأن ما يقرأه رومانسية؛
إنني أدع التعليقات تمر كما هي لأبيّن أن مشكلتنا أننا لا نقرأ؛ لنقرأْ ولنقرأْ حتى للشيطان إن كان يكتب؛ إذ أن بعض من يعلق لا يعرف حتى أسس الإملاء في اللغة العربية فيأتي الأخطاء ناهيك عن قواعدها؛
إنني لا أدعو بهذا إلى التحجر وراء الإملاء والقواعد وغيرها من الأسس اللغوية وهي ضرورة أكيدة؛ إنما أود القول أن إنسانا لم يتحكم بعدُ في لغته لا يمكنه تقديم فهم وتصور أعمق هذا دون الكلام عن باقي الشروط عند الكلام.
مشكلتنا سادتنا أن بعضهم يجعل من نفسه الأول والآخر والظاهر والباطن بيده كل شيء وهذه أزمتنا؛
لماذا لا يسأل كل فرد ماذا قدم للإنسانية؟
أمامنا الكثير إذا ما بقينا بهذه الضحالة؛
إننا سنظل نراوح نقطة ما تحت الصفر إذا ما بقينا بمثل هذه الضحالة؛
دمتم.

في09,أيار,2008  -  07:27 مساءً, HANNAAHMUHANNA كتبها ...

هلا بك أخي هل لابد له بطل قصتك ان يمضي كل تلك السنوات ليتحول ويغير من حياته
سبحان الله هناك ناس لايقنعهم شي لتغيير مسار حياتهم الا باعجوبة قصتك كانت رائعة
أسلوبك سلس ويجذب القاريء وهذة ميزة فيك دمت بكل تألق تقبل مروري من هنا
مع ارق تحايا